الجصاص
77
الفصول في الأصول
المراد رجوع كل طائفة أفردت من قوم رجوعها إليهم دون غيرهم ، ثم لما أوجب الإنذار على كل طائفة لقومها وأوجب عليهم الحذر بخبرها . دل ذلك على لزومها قبول خبرها وإنذارها . وأيضا : فلو كان المراد اجتماع الطوائف للتفقه في الدين ، ثم دوران جميعها في القبائل على فرقة ، لكان دلالة الآية قائمة على صحة ما ذكرنا ، من قبل أنهم إذا جاءوا مجتمعين جاز عليهم التواطؤ ، وإذا جاز ذلك عليهم امتنع وقوع العلم بخبرهم . وأيضا : فلو كان ذلك مشروطا في الآية لظهر العمل بها في عصر النبي عليه السلام ، لأن النبي عليه السلام كان لا محالة يأمرهم بذلك ، لتقوم الحجة على الخلق بهم ، فلما لم يأمرهم النبي عليه السلام بالاجتماع للتفقه ، ثم الدوران على القبائل للإنذار والإبلاغ عنه ، بل كان يقتصر لكل قوم ما تنقله إليهم الطائفة النافرة منهم ، والوافد الوارد من قبلهم . دل ذلك : على أن الحجة كانت تقوم عليهم في إبلاغهم أحكام الشريعة ، بما تنقله إليهم تلك الطائفة . فإن قيل : ما أنكرت أن تكون كل واحدة من الطوائف إنما أمرت بإنذار قومها وإبلاغها ما سمعته من النبي عليه السلام ، لينتشر الخبر عنها ، ويستفيض ، فلا يكون في أمر كل طائفة بالإنذار دلالة على لزوم قبول خبرها ، كما أمر كل واحد من الشاهدين بإقامة الشهادة على حياله ، ولا دلالة فيه على جواز شهادة كل واحد منهم وحده . قيل له : ظاهر الأمر بالإنذار يقتضي تعلق الحكم به وحده ، حتى تقوم الدلالة على وقوفه على معنى آخر غيره . ألا ترى : أن أمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالإنذار قد اقتضى لزوم قبول خبره ، دون معنى آخر ينضاف إليه . ألا ترى : أن قوله تعالى : ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) ( 2 ) وقوله تعالى : ( ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا ) ( 3 ) وقوله تعالى : ( وأقيموا الشهادة لله ) . ( 4 )